يوضح شاه مير جياث الدين خان أن الحروب لا تبقى داخل حدود ميادين القتال، بل تمتد آثارها إلى أماكن بعيدة وغير متوقعة. فبعد أكثر من أسبوعين على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بدأت دول جنوب وجنوب شرق آسيا تشعر بتداعيات صامتة لكنها قاسية. لا تصل الصواريخ إلى هذه الدول، لكن تصل الأزمات عبر ارتفاع الأسعار، ونقص الوقود، وتعطل الأعمال، في مشهد يعكس انتقال الحرب من الجغرافيا إلى الاقتصاد.
وتعرض صحيفة ديلي صباح، هذه الرؤية في إطار تحليل أوسع لتأثيرات الصراع على أسواق الطاقة العالمية.
مضيق هرمز.. شريان مختنق
يمثل مضيق هرمز نقطة حيوية في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب خُمس الإمدادات العالمية. وتعتمد دول آسيوية كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية بشكل كبير على هذا المسار، حيث تستحوذ على معظم النفط والغاز الطبيعي المسال العابر منه.
عندما تعطّل هذا الشريان، انعكست الصدمة فورًا على الأسواق. ارتفعت أسعار خام برنت بنسبة تتراوح بين 10 و13%، وتجاوزت لاحقًا حاجز 100 دولار للبرميل. كما أدت ضربات إيرانية لمنشآت غاز في قطر إلى توقف الإنتاج، ما دفع أسعار الغاز في أوروبا وآسيا إلى الارتفاع الحاد.
يشير صندوق النقد الدولي إلى أن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط ترفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية وتقلص النمو الاقتصادي. بالنسبة للدول الآسيوية المستوردة للطاقة، لا يمثل هذا مجرد رقم، بل تهديد مباشر لاستقرارها الاقتصادي.
باكستان وبنجلاديش.. ضغط مزدوج
تواجه باكستان أزمة مركبة، إذ تستورد نحو 40% من احتياجاتها من الطاقة وتعتمد بشكل كبير على الغاز القطري، الذي توقف تدفقه. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، تتجه البلاد نحو رفع أسعار الفائدة بدل خفضها، ما يزيد الضغط على الاقتصاد والمواطنين.
في الوقت نفسه، تتصاعد المخاطر الأمنية على الحدود مع إيران، خاصة في إقليم بلوشستان، ما يضيف بعدًا أمنيًا للأزمة الاقتصادية. تجد باكستان نفسها أمام تحدٍ متعدد الجبهات: اقتصاد متعثر، توترات حدودية، وضغوط إقليمية متزايدة.
أما بنجلاديش، فتعيش أزمة وقود حادة نتيجة اعتمادها شبه الكامل على الاستيراد. ظهرت طوابير طويلة أمام محطات الوقود في دكا، وفرضت الحكومة قيودًا على التزود بالوقود لمنع التخزين. تأثرت حركة النقل والأعمال، خاصة تلك التي تعتمد على المولدات.
تعكس هذه الأزمة هشاشة النمو الاقتصادي الذي حققته بنجلاديش خلال السنوات الماضية، والذي قام أساسًا على توفر طاقة مستوردة بأسعار معقولة.
آسيا تحت ضغط الطاقة
امتدت التداعيات إلى بقية دول المنطقة، حيث سارعت الحكومات إلى اتخاذ إجراءات طارئة. اعتمدت الفلبين نظام عمل مؤقت لأربعة أيام، وقيّدت تايلاند سفر الموظفين الحكوميين، بينما شجعت فيتنام العمل عن بُعد وتقليل استخدام السيارات.
في الهند، بدأت المطاعم تحذر من الإغلاق المحتمل مع توجيه الحكومة إمدادات الغاز للمنازل بدلًا من الأنشطة التجارية. أما كوريا الجنوبية واليابان، وهما من أكبر مستوردي الغاز عالميًا، فتواجهان ارتفاعًا غير مسبوق في تكاليف الطاقة، ما يهدد نماذجهما الصناعية القائمة على الطاقة المستقرة والرخيصة.
تكشف هذه التطورات عن حقيقة واضحة: لا تمتلك هذه الدول بدائل سريعة للطاقة، ولا تستطيع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد المعتمدة على الخليج. لذلك تلجأ إلى إدارة الطلب، وتقنين الاستهلاك، وانتظار تحسن الظروف.
يؤكد التحليل أن حرب إيران لم تعد صراعًا إقليميًا محدودًا، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية متفاوتة التأثير. تتحمل الدول الأضعف العبء الأكبر، بينما تنتقل تداعيات الحرب بهدوء… من ساحات القتال إلى موائد الناس.
https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/invisible-shockwaves-in-energy-how-iran-war-hits-asian-economies

